حزمة الخدمات الصحية من قبل منظور إكتواري
الرعاية الصحية : خدمة ... أم ضرورة ... أم استثمار؟:

اختلفت النظرة للرعاية الصحية .. فلم تعد تعتبر خدمة تقدم من منطلق البعد الإنساني ، وإنما أصبحت ضرورة للحفاظ علي كيان المجتمع ، واستثماراً يهدف إلي تنظيم الاستفادة من قدرات وطاقات أفراد ذلك المجتمع وذلك من خلال درء مخاطر المرض والإصابة وتقليل ما يتسببان فيه من فقدان سواء في قدرات الأشخاص أو في وقت العمل والإنتاج ( في إحصائية عن عام 1996م قدر عبء الاقتصاد البريطاني بسبب التغيب المتعلق بالمرض بما يوازي 20 مليار دولار أمريكي حيث ضاع 187 مليون يوم عمل بما يمثل 3.7% من إجمالي زمن العمل السنوي).

وإلى جانب ذلك فإن الرعاية الصحية الجديدة تؤدي إلي وفرة تكلفة العلاج وإلى تلافي أو تقليل نسبة تخلف العجز أو العاهات وبالتالي إلي التخفيض في عبء التعويضات المقابلة لنسب العجز المختلفة.

الرعاية الصحية الجديدة:

حتى يمكن وصف الرعاية الصحية بأنها جيدة فلا بد للخدمة المقدمة من أن تتوفر فيها عدد من الصفات بأن تكون :

متوفرة – متاحة – ذات تكلفة – نوعية جيدة – مستمرة – منسقة – عادلة.

ومن ثم فإن العمل علي توافر هذه الصفات لا بد أن يكون محوراً أساسياً في صناعة الرعاية الصحية.



صناعة الرعاية الصحية:

إن تقديم الرعاية الصحية هو في حد ذاته صناعة وإن كانت مكلفة شأن عدد من الصناعات الأخرى إلا أن منتجها له طابع خاص والطلب عليها تحكمه عوامل مختلفة مما ينتج عنه عدد من الخصائص الاقتصادية المميزة لهذه الصناعة يطول شرحها.

العبء الاقتصادي لتوفير الخدمة الصحية:

يمثل الانفاق علي الصحة كماً غير قليل من الانفاق العالمي وقد أوضح تقرير البنك الدولي عن التنمية ( يونيو 93) أن الإنفاق علي الصحة في عام 1990م كان بما يوازي 1700 مليون دولار أمريكي أي بما يقدر بحوالي 8% من الناتج العالمي.

وعلى مستوى قطاعات العالم فإن الولايات المتحدة الأمريكية وحدها أسهمت في ذلك الانفاق على الصحة بمقدار 41% من الاجمالي العالمي والدول الأخرى عالية الدخل مقدار 49% أما الدول النامية فكان نصيبها 10%.

أما على المستوى القومي فإن حجم الإنفاق على الصحة منسوباً إلى الناتج القومي يختلف كثيراً من دولة لأخرى ففي الولايات المتحدة تجاوز الانفاق على الصحة 12.5% من الناتج القومي.

وفي دول عديدة خاصة من الدول منخفضة الدخل تقل النسبة عن ذلك كثيراً رغم ضعف الناتج القومي لتلك الدول الأخيرة بقدر كبير ( ولعلنا نذكر أن دخول الخمسين أفقر دولة في العالم وأغلبها في أفريقيا لا تمثل إلا حوالي 2% من الدخل العالمي)(1).

ولذا فقد تراوح نصيب الفرد من الانفاق السنوي على الصحة بين 1500 دولار أمريكي في الدولة عالية الدخل إلى 14 دولاراً أمريكياً في الدول النامية أي بمعدل 37 : 1.

العوامل التي تؤدي إلي ارتفاع مطرد في الانفاق علي الخدمة الصحية:

(1) النمو السكاني وما يستتبعه من ضرورة توفر مزيد من الخدمة الصحية.

(2) التقدم العلمي وضرورة مواكبته بتوفير المستحدث من الامكانيات المادية والبشرية المتخصصة.

(3) ازدياد الطلب علي الخدمة الصحية مع ارتفاع الوعي الصحي بين المواطنين مع زيادة منافذ الخدمة بما يتيح إمكانية الوصول إليها.

(4) الارتفاع المستمر في متوسط الأعمار والتكلفة المرتفعة لمواجهة النواحي الصحية للمسنين، وعلي سبيل المثال فقد ارتفعت تلك التكلفة في الولايات المتحدة من 250 بليون دولار عام 1980م إلي 800 بليون دولار عام 1993م.

(5) الانفاق علي الرعاية الصحية لا يقتصر أثره المباشر علي النواحي الصحية بل ينعكس علي نواحي متعددة ومنها الجانب الاقتصادي . ففي الدول الفقيرة حيث يقدر متوسط الدخل للفرد بمبلغ 350 دولاراً فإن انفاق 12 دولاراً للفرد سنوياً في مجالات الصحة العامة والخدمات الاكلينيكية الأساسية يقلل بما يوازي 32% من أعباء المرض وأن انفاق 21.5% دولار للفرد في الدول متوسط دخل الفرد فيها 2500 دولار يؤدي لتحسن في أعباء المرض بنسبة 15%.

(6) أبرز تأكيد لضخامة عبء تكلفة الرعاية الصحية ما جاء في تعليق الأستاذ رافيل في بحثه لدراسة المقارنة لنظم الخدمة الصحية في أربع عشرة دولة من الدول الصناعية ( كلها دول عالية الدخل) والذي جاء فيه : ( إن نظم الرعاية الصحية في هذه الدول محل الدراسة قد قدمت كلها خدماتها لمواطنيها وأن هنالك أدلة واضحة علي أنه في كل هذه الدول قد حدث تحسن واضح في إمكانية الحصول علي الخدمة الصحية وفي نوعية الخدمة وفي الحالة الصحية .. إلا أن كل هذه الدول تجمع بينها صعوبة واحدة مشتركة هي محدودية الموارد فليس منها دولة واحدة لديها ما يكفل تقديم كل ما يمكن عمله في سبيل صحة الفرد ونوعية الحياة . ومن هنا فإنه يتضح أن الرعاية الصحية هي صناعة ذات تكلفة عالية ومتزايدة) .

الهدف من المراجعة الإكتوارية للصندوق:

بناء نموذج اكتواري يراعي المحافظة علي التوازن المالي للصندوق حتى يتمكن من الوفاء بإلتزاماته تجاه المؤمن لهم.

ولأهمية المراجعة الإكتوارية لنظم التأمين الصحي ينص عليها في القانون بأن تتم المراجعة الاكتوارية كل ثلاث أو خمس سنوات بالنسبة للتأمينات الاجتماعية والمعاشات أما التأمين الصحي فتكون المراجعة الاكتوارية كل ستة أشهر.

كما أوضحنا من قبل أن ارتفاع نفقات الخدمة الصحية يضع العبء علي الدول وقد فشلت الدولة في تقديم الخدمة الصحية مجاناً للمواطنين سواء كانت غنية أم فقيرة وسعت الدولة لأنظمة أخرى تساعد في رفع العبء الصحي عن الدولة ووصلت إلي نظام التأمين الصحي بأنواعه المختلفة.

ونظام التأمين الصحي يؤمن ضد مخاطر المرض وهذه المخاطر تكون موزعة بصورة مختلفة علي الأفراد أي أن الأعباء تقع عليهم بصور مختلفة.

لابد لنظام التأمين الصحي من وضع قسط يكون عادلاً علي الأفراد يشجعهم علي الدخول في التأمين الصحي وفي نفس الوقت يغطي التزامات الصندوق وبهذا المفهوم فإن الصندوق القومي للتأمين الصحي لابد أن يجري حساباته الاكتوارية لما يتوقعه من مخاطر وتكلفتها حتى يتقاضي من الاشتراكات ما يغطي التزاماته وفي نهاية المطاف خلصنا إلي أن حزمة الخدمات الصحية المقدمة بواسطة الصندوق تنتهي بتكلفة وهذه التكلفة في نظر المؤمن لهم لا بد أن تكون مناسبة وعادلة وحتى تكون عادلة لا بد من حسابها بواسطة اكتواري يراعي النواحي الديموغرافية والاقتصادية للمواطنين، ينظر للمستقبل مستصحباً الماضي والحاضر.

رجوع

 

 

 

 


 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
   

كل الحقوق محفوظة لصندوق التأمين الصحي 2006 ©